العوامل الداخلية للتطور الحضاري في بيث نهرين

  • -

العوامل الداخلية للتطور الحضاري في بيث نهرين

ان العوامل الداخلية للتطور الحضاري لشعبنا هي تلك المؤثرات التي تخص مجتمعنا وسير تطور هذه الحضارة بناءً على كيفية تنظيم الحياة والعلاقات الاجتماعية ودور ثقافات مجتمعنا وعلاقاتها ومؤثراتها على التطور الحضاري لمجتمعنا وبقائه وهي في نظري كالاتي:

1.  مؤثرات الثقافة الدينية الطائفية على حضارتنا

منذ سقوط سلطتنا السياسية انتقلت هذه السلطة الى رجال الدين وهذا ما يشهد عليه كل تاريخ شعبنا منذ اعتناقه الديانة المسيحية او الاسلامية او غيرها من الديانات الاخرى.  ففي كل المراحل لهذه الديانات اجبرت شعبنا على التبعية الدينية او الطائفية وحرمته من ممارسة عاداته وتقاليده والافتخار بها، حيث  اعتبرتها عادات وتقاليد وثنية .

ان الثقافة الطائفية الدينية قد هدمت وقتلت كل صفات وخصائص الشجاعة والثقة بالنفس والدفاع عن النفس عند المخاطر وجعلت من هذا الانسان الذي كان بالامس مرفوع الرأس يدافع من اجل استمرار حضارته  وبقائه وحقه الطبيعي في العيش عضواً فعالاً في المجتمع الانساني الى انسان لا ينظر الى الاعلى ولا يقاوم المحتل لارضه  ولا يردع الذي يحاول  طمس حضارته وازالتها.

 ان الثقافة الدينية الطائفية هي التي عملت على قتل عزة النفس وخلقت منه انساناْ ضعيفاْ لا يؤمن بالحياة وجعلته يقتنع بانه ضيف على هذه الارض حيث تنتظره الحياة في عالم آخر وجرد من كل عوامل الشجاعة والدفاع عن نفسه وبيته لان الموت له حياة والحياة له الموت.

 ان ما نراه في تاريخ الشعوب التي استطاعت ان تحافظ على ايمانها واستمرار حضاراتها هي تلك الشعوب التي حافظت على استمرار حضارتها والدفاع عنها بكل قوة وايمان وهذا عكس ما ذهبت اليه مفاهيم الثقافة الدينية الطائفية عندنا.

تغلب الثقافة الدينية الطائفية التمييزية قد ادت الى خلق صراعات طائفية ادت الى تحطيم وحدة شعبنا وبدلاً من ان ينشغل في عملية الدفاع عن خطر وجوده واستمراره امام ثقافات العنف والحضارات الغريبة التي جاءت من خارج حدوده بدأ ينقسم على نفسه ويضع حدوداً بين هذه الثقافات الدينيية الطائفية التي ادت اخيراً الى انهيار المفهوم التكاملي للشعب الواحد وبرزت ثقافات دينية طائفية تمييزية لتحل محل مفهوم الشعب وحضارة بلاد بيثنهرين.

لم تكتفي الثقافة الدينية الطائفية فقط بتقسيم شعبنا الى مجموعات طائفية صغيرة بل ذهبت الى ابعد الحدود حيث اخذت تسيس طوائفها باتخاذها مواقف سياسية والتي ليست من اختصاصات الدين وتعاليمه الالهية. بدلاً من ان تنشغل طوائف شعبنا في نشر الايمان والمحبة الالهية اخذ رجالها يعملون في مختلف الامور الدنيوية والسياسية خارجين عن كل ما جاءت به  مفاهيم الايمان وتعاليم ربنا المسيح لرسله.

انخراط الطوائف الدينية في الامور الدنيوية والسياسة  قد ابعدتها من تطوير نفسها ونشر تعاليمها لشعبنا بلغته الدارجة التي يمارسها يوميا مع ابنائه، كما انها ذهبت الى ابعد من ذلك حيث اخذت الكثير من طوائفنا الدينية تطبع كتب الطقوس وتقيم القداديس اما بلغة قديمة قد مر عليها ما يقارب من ثلاثة الف سنة او بلغة ليست لغته التي يمارسها في حياته اليومية مع ابناء شعبه لذلك نرى ان الحدود التي وضعتها هذه الطوائف الدينية بين ابناء شعبنا قد اصبحت تدريجياً حدوداً تمنع من التعامل بين ابناء هذه الطوائف وبدلاً من ذلك  اخذت تنصهر في بودقة الامم  والشعوب الاخرى وهذا في الحقيقة يناقض كما ذكرنا سابقا كل تعاليم الدين سواءً كان مسيحي او غير مسيحي لان وظيفة الدين هي وظيفة خدمة الرسالة الالهية ونشر تعاليم هذا الدين بلغة الشعب لكي يستطيع من فهمها ومعايشتها يوميا.

هناك امر غريب وعجيب قد حدث في انقسام كنيسة المشرق حيث لم نلاحظ مثيله في كل ارجاء المعمورة وهو ان طوائفنا التي جاءت نتيجة انقسام كنيسة المشرق القديمة، وكل منها اخذت لنفسها اسم من اسماء مدن شعبنا التاريخية في بلاد بيثنهرين وهذا يناقض في الحقيقة كل مفاهيم الايمان لانه اي دين او مذهب او طائفة من الممكن ان يكون مؤمنيها من مختلف الاقوام ولكل قوم لغته الخاصة به، وجب نشر تعاليم هذا الدين او الطائفة بلغة هذا القوم. فكيف جاء هذا كل مانراه اليوم بانقسام كنيسة المشرق في بيثنهرين وبتسميات لا ينطبق عليها المفهوم العلمي في كل كنائس العالم المتطور حيث  التسمية تكون حسب المذهب الذي  تؤمن به الكنيسة حيث نرى ان الكنيسة الكايوليكية واحدة في كل البلدان وهكذا الكنيسة البروتستانتية والاورثودوكسية..الخ.

على طوائفنا ان تفكر جليا بامورها وتنصرف الى خدمة الرسالة الدينية لطائفتها بدلاً من الانخراط في الامور الدنيوية وان ترجع الى تسميات كنائسها على اسس عقلانية وعلمية فمثلاً كنيسة بابل الكلدانية واسمها الحقيقي والعلمي كما هو جاري في كل العالم حيث تسمى باسم البلدان التي تنوجد تلك الطائفة فيه كالكنيسة الكاثوليكية في السويد او في امريكا او في بريطانيا..الخ. وهكذا بالنسبة للكنائس الاخرى في شعبنا باستطاعتها الرجوع الى اسمائها الحقيقية والمذهب التي تؤمن به وعلى ان لا يكون ربط بين تسمية المذهب واي تسمية قومية او تاريخية او مكانية لأن هذا ما ادى الى تقسيم شعبنا في بلاد بيثنهرين وعدم العمل من اجل مصالحه القومية والوطنية ومن ثم ضياء كل حقوقه الشرعية كشعب اصيل في ارضنا بيثنهرين. اذا استطاعت طوائفنا هذه من اللجوء الى المنطق والابتعاد عن كل ما هو خارج واجباتها فاننا كلنا ثقة بان جماهير شعبنا تكون اكثر التفافاً واحتراماً لرجال الدين ومؤمنيها في ازدياد مطرد في خدمة ربنا ورسالته الانسانية وحضارة شعبنا في تقدم وتطور في بلاد بيثنهرين والعالم.

مما جاء في تحليلاتنا السابقة وما نراه على ارض الواقع لمسيرة حركة شعبنا ووجوده على ارضه يؤكد لنا وبدون اي شك بان عوامل الثقافة الدينية الطائفية التمييزية كانت لها دوراً سلبياً مباشراً لما وصل اليه وجودنا وتطور حضارة شعبنا. ثقافة الدين الطائفية التمييزية استطاعت ان تسيطر على عقول الاكثرية من ابناء امتنا بحيث لم تستطع قياداتنا العلمانية ان تأخذ موقعها القيادي بين ابناء شعبنا واصبح مصير شعبنا بيد القيادات الدينية الطائفية التمييزية مما ادى هذا بدوره الى اضعاف الامة وتقسيمها وتشتيتها الى مجموعات صغيرة حيث كان هو السبب الرئيسي في تجريدها من مفهوم الشعب واصبحت بمرور الزمن تبعيات دينية طائفية تمييزية تعيش تحت رحمة الغرباء ويقل عدد التابعين لكل طائفة بمرور الزمن نتيجة تعرض هذه الطوائف الى مختلف الضربات عبر التاريخ، وكل هذا كان سبباً رئيسياً لعدم تمكنه من توحيد قواه المشتتة حيث اوصلته الى هذه النتائج المزرية من التشتت وترك ارضه للغرباء ليحطموا كل اثر لحضارته الشامخة التي بناها عبر تاريخه الطويل.