تطور الحضارة الآشورية في بيثنهرين

  • -

تطور الحضارة الآشورية في بيثنهرين

1.    التطور

ان التطور الحضاري السلمي للشعوب التي استطاعت من سير في موكب التطور الحضاري هي تلك الشعوب التي استطاعت من التمسك وممارسة ثقافتها وتطويرها والاضافة عليها كل ما هو جيد وايجابي من ثقافات الشعوب التي تعيش معها والشعوب المحيطة بها والشعوب الاخرى سواء كانت قريبة او بعيدة.

ان عامل التطور الحضاري للشعوب هو العامل الحاسم لمدى استمرار وديمومة هذه  او تلك الحضارة. فاذا ما استطاعت حضارة بشرية مهما كانت صغيرة او كبيرة من جذب المجموعات البشرية الاخرى فان هذه الحضارة تكون حضارة متكاملة لها القدرة على فهم الواقع الاجتماعي التطوري ولم شمل الحضارات الساكنة والجامدة والتي لم تستطع من السير في عجلة التطور الطبيعي للمجتمعات الانسانية عندئذ نستطيع القول ان هذه الحضارة حضارة ذات ميزات وصفات تستطيع من اغناء الحضارة الانسانية من اجل البقاء والديمومة والسير في موكب التقدم الحضاري العالمي.

هنا نستطيع من اعطاء امثلة حية في التاريخ القديم والحديث وكل حسب الظروف الزمنية، واننا لا نود هنا من التطرق الى كل الجوانب في تلك الازمنة الغابرة.  فاذا القينا مثلاً نظرة خاطفة على تاريخ بلاد بيثنهرين نرى بكل وضوح ان الحضارة الاشورية استطاعت من دمج الحضارات المحلية  في حضارة متكاملة لكل بلاد بيثنهرين وبحكمة ملوكها وحكامها استطاعت الحضارة الاشورية من رفع شأن حضارة بيثنهرين بحيث اخذت بعض حضارات البلدان المحيطة  بها تتأثر بهذه الحضارة لتواكب عجلة التطور.

 اما اذا اخذنا امثلة من الازمنة الحديثة حيث نرى كيف ان الحضارات في البلدان المتطورة تقترب من بعضها ويصبح عالم هذه البلدان عالم واحد لا يمكن رؤية الفروق الحضارية فيما بينها الا ما ندر وهذه ما هي الا بعض العادات والتقاليد المميزة التي تختلف حتى في البلد الواحد احياناً ولكنها كلها تعتبر في نظر الانسان في هذه البلدان المتحضرة عادات وتقاليد يفتخر كل ابناء هذه البلدان بها بل واخذت الكثير من هذه العادات والتقاليد تصبح عادات وتقاليد البلدان المتحضرة وبمرور الزمن نرى زوال الفروق الحضارية بين شعوب البلدان المتحضرة ومعها تزول كل المشاكل والتعقيدات بين شعوبها.

اما الحضارات التي تقوقعت على نفسها وحاربت كل بصيص للتغيير او التطور واعتبرت كل خروج عن مفاهيم هذه الحضارة خروج عن القيم البشرية والالهية  لهذه المجموعة ولا يحق للذي خرج عنها الاستمرار او الحياة ضمن مجموعتها لانه لا يؤمن بما تؤمن هي به، فان هذه الحضارة ما هي الا نفايا وبقايا التخلف والامراض الاجتماعية التي تنخر بعض المجتمعات وتسوقها نحو التخلف الاخلاقي وتحطيم كل معالم السعادة والحرية لنفسها ومن ثم الهلاك .

 ان الحضارة الساكنة والتي لا تقبل اية حركة ديناميكية هي حضارة محنطة تحفر قبراً لنفسها وتجلب المآسي والاضرار الكبيرة للمجتمع الانساني كله واكبر امثلة على ذلك ما مرت عليه شعوب منطقتنا التي كانت من اول الشعوب للمنبع الحضاري وخاصة بلاد بيثنهرين التي هي منبع كل الحضارات في العالم المتحضر اليوم ولكن نتيجة التراجع العكسي لعملية التطور الحضاري بسبب تسلط ثقافة العنف وعدم التخلص من المفاهيم القديمة وثقافة الجمود والانغلاق الديني والحضاري التي يقودها كثير من الاحيان رجال الدين والمهرعين وراء السيطرة والمال لبناء امبراطورياتهم الموهومة متناسين انهم يجلبون لانفسهم ولشعوبهم الويلات والفناء.

الحقيقة العلمية والسيرة الطبيعية لتطور المجتمعات الانسانية تعلمنا اذا لم نستطع من رؤية مرض تقسيم شعبنا الى ملل وطوائف والجري وراء المفرقين والمهرجين الذين لا يريدون لهذه الامة ان تتوحد، فان صراخنا العاطفي والحنين الى القديم  والجامد سوف يزول بمرور الزمن ولن يبق سوى سطور ومعالم اثرية لنا تصلح فقط لمراجع  البحوث للشعوب المتحضرة من اجل اخذ الدروس منها لتطور شعوبها  والتغلب على الاخطاء وفهم واقع تطور الانسانية وتقدمها واستمرارها في المجتمع الانساني على هذه الكرة.

تطرقت بايجاز عن سير تطور شعبنا الذي يسمى اليوم باسمائه الطائفية ولا يغيب عنا من  ان التطور الحضاري مرتبط ارتباطاً قوياً ومتيناً بتلك البيئة التي تحيط  بالانسان بصورة خاصة والمجتمع بصورة عامة. حيت ان هذه البيئة هي التي تجبل طينة هذا الانسان وتخرجه قالب تتمثل فيه كل الصفات والخصائص المميزة لهذه البيئة. فاذا كانت هذه الصفات والخصائص تحمل في طياتها خصائص وصفات انسانية تعمل من اجل توفير كل ما خلق على هذه الارض من اجله  وحماية مصادر عيشه وسعادته واستمرار جنسه من بعده فان هذه الحضارة هي حضارة ديناميكية مستمرة ومنتصرة في صراعها مع كل ما جاء في طريقها من عوائق وشوائب من العوامل السلبية التي تريد ان تستعبد هذا الانسان وتجرده من كل امال للحياة والقدرة الذاتية وتجعله عبداً لها لكي يعيش على القديم والحياة ما وراء الطبيعة ويكون انتظاره للموت اقوى من امال العيش  في مجتمع انساني متقدم ومتطور يسوده الامان والاستقرار والسلام.

ان العوامل والمؤثرات السلبية لكثيرة على حضارة شعبنا والتي جعلت الكثير منا يتقلب ويتخبط تاركاً وراءه نتائج لا يحمد لها لشعبنا ومصير مستقبل هذه الامة التي كانت في الامس مهد الحضارات البشرية.  ومن باب الايجاز ساتطرق  في مقالاتي هذه الى بعض العوامل او المؤثرات في سيرة   التطور الحضاري لشعبنا الآشوري ومستقبله.